الخطيب الشربيني
280
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
يكون لحظ النفس بينوا غايته بقولهم : حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ أي : الملك الذي له الكمال كله وَحْدَهُ أي : تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دون الله تعالى ، وقوله تعالى : إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ فيه أوجه : أحدها : أنه استثناء متصل من قوله تعالى في إبراهيم ، ولكن لا بدّ من حذف مضاف ليصح الكلام ، تقديره في مقالات إبراهيم : إلا قوله كيت وكيت . ثانيها : أنه مستثنى من أسوة حسنة ، واقتصر على ذلك الجلال المحلي ، وجاز ذلك لأنّ القول أيضا من جملة الأسوة ، لأنّ الأسوة الاقتداء بالشخص في أقواله وأفعاله فكأنه قيل لكم فيه أسوة في جميع أحواله من قول وفعل إلا قوله كذا ، وهو أوضح لأنه غير محوج إلى تقدير مضاف ، وغير مخرج للاستثناء من الاتصال الذي هو أصله إلى الانقطاع ، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره . ثالثها : قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الاستثناء من التبري والقطيعة التي ذكرت ، أي : لم تبق صلة إلا كذا . رابعها : أنه استثناء منقطع ، أي : لكن قول إبراهيم وهذا بناء من قائله على أنّ القول لم يندرج تحت قوله أسوة ، وهو ممنوع . قال القرطبي : معنى قوله تعالى إلا قول إبراهيم لأبيه لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ أي : فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفروا للمشركين فإنه كان عن موعدة منه له ، قاله قتادة ومجاهد وغيرهما . وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه ، ثم بين عذره في سورة التوبة ، وفي هذا دلالة على تفضيل نبينا صلى اللّه عليه وسلم على سائر الأنبياء ، لأنا حين أمرنا بالاقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] وحين أمرنا بالاقتداء بإبراهيم استثنى بعض أفعاله ، وهذا إنما جرى لأنه ظنّ أنه أسلم فلما بان أنه لم يسلم تبرّأ منه ، وعلى هذا فيجوز الاستغفار لمن يظنّ أنه أسلم ، وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظنّ فلم توالونهم . وقوله وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ أي : من عذاب أو ثواب الملك إلا على المحيط بنعوت الجلال مِنْ شَيْءٍ من تمام قوله المستثنى ، ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أحواله . وقوله : رَبَّنا أي : أيها المحسن إلينا عَلَيْكَ أي : لا على غيرك تَوَكَّلْنا أي : فوّضنا أمرنا إليك يجوز أن يكون من مقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام والذين معه ، فهو من جملة الأسوة الحسنة ، وفصل بينهما بالاستثناء ويجوز أن يكون منقطعا عما قبله على إضمار قول ، وهو تعليم من الله تعالى لعباده كأنه قال لهم قولوا ربنا عليك توكلنا وَإِلَيْكَ أي : وحدك أَنَبْنا أي : رجعنا بجميع ظواهرنا وبواطننا وَإِلَيْكَ أي : وحدك الْمَصِيرُ أي : الرجوع في الآخرة . رَبَّنا أي : أيها المربي لنا والمحسن إلينا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي : بأن تسلطهم علينا فيفتنوننا بعذاب لا نحتمله ، أو فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك . وقيل : لا تعذبنا بعذاب من عندك فيقولون لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك . وقيل : لا تسلط عليهم الرزق دوننا ، فإنّ ذلك فتنة لهم وَاغْفِرْ لَنا أي : استر ما وقع منا من الذنوب ، وامح عينه وأثره رَبَّنا أي : أيها المحسن إلينا وأكدوا إعلاما بشدّة رغبتهم في حسن الثناء عليه فقالوا : إِنَّكَ أَنْتَ أي : وحدك لا غيرك الْعَزِيزُ أي : الذي يغلب كل شيء ، ولا يغلبه شيء الْحَكِيمُ أي : الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها ، ومن كان كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله ما طلب .